~ عربي ~

لمكافحة الانتحار 3
Author: بيرغمان
 

 

كيف نتحدّث إلى الشخص الموجود فوق السطح؟

د. زيئف بيرغمان وطاقم معهد العلاج الأسريّ، القدس

إنّ مقال أفشالوم إليتزور وحاييم عومر بعنوان " ما الذي قد تقوله لشخص فوق السطح" هامّ ومثير لأنّه يحاول تزويد المنقذ مسبقًا بالآليات  التي تمكّنه من التعامل مع الشخص المقبل على الانتحار وإخراجه بسلام من الوضعية التي وجد فيها.  مع ذلك، فإنّ هذان المؤّلفان يتعبران مقالهما نصّا أوليّا، الملزم بتفكير إضافيّ والمنادي بإجراء تعديلات وتغييرات. لقد استجبنا لهذا التحدّي، أجرينا مناقشات مستفيضة حول الموضوع،  وفيما يلي تعقيباتنا.

التوجّه العام: موقف المنقذ

إنّ الهدف في هذه الوضعية واضح للغايّة- إنزال الشخص المقبل على الانتحار عن السطح، ولكن الإجابة على السؤال: " ما هو الموقف الذي سيتّخذه المنقذ لتحقيق هذا الهدف؟" ليست واضحة جدًا. يمكنه اختيار إحدى الإمكانيات التالية:

1.     موقف سلطويّ- كاريزماتيّ: يعرض هذا الموقف إدّعاءات ونماذج واضحة تهدف إلى إقناع الشخص المقبل على الانتحار بالعدول عن هدفه.

2.     موقف احترام اختيارات الشخص المقبل على الانتحار:  والذي ينصّ بوضوح عمّا يلي: إن كنت مصرّا على الانتحار، فلا تستطيع أية قوةّ في العالم منعك من القيام بذلك، ولهذا عليك أن تقّرر ما الذي تنوي فعله. 

3.     موقف متداخل: يشدّد هذا الموقف على التداخل العاطفيّ من قبل المنقذ، وربما من قبل الأشخاص الآخرين المحيطين به والملّمين بما يحدث، حيث يتم التصريح بوضوح عن عدم رغبته/م في موت  الشخص المقبل على الانتحار.

4.     الموقف المتعاطف- المواجه:  والذي يعرضه المؤّلفان. يحاول المنقذ من خلال هذا الموقف أن يوصف للشخص المقبل على الانتحار عمق يأسه وحزنه، ويقوم بعد ذلك بمواجهة  استنتاجه الانتحاريّ.

المنقذ لا يعلم مسبقًا أيّ المواقف قادرة على التأثير على الشخص المقبل على الانتحار، والذي يقف الآن فوق السطح. قد تكون هناك خلال عملية الإنقاذ حاجة للانتقال من موقف لآخر وفق تطوّر الاحداث. على سبيل المثال: قد يصبح استخدام موقف التداخل مهيمنًا مع مرور الوقت، لهذا يجب الانتباه لاستخدام هذه المواقف بحذر وبشكل تجريبيّ، وفحص نجاعة الاستمرار في استخدامها وفق ردود فعل الشخص المقبل على الانتحار.

من الواضح أنّه سيتم تعديل مبنى النص، مضمونه واللغة التي يستخدمها المنقذ وفق الموقف الأساسيّ الذي سوف يتّخذه. وقد يشعر مختلف المنقذون بأنّ بعض هذه المواقف وحدّيتها ( أوّ حديّة مواقف أخرى) تلائم شخصيتهم، شخصية الإنسان المقبل على الانتحار أوّ طبيعة الحالة. ولهذا يجب منحهم فرصة الاختيار.

التفاعل مع الشخص المقبل على الانتحار

إنّ الفرضية الأساسيّة التي يعتمدها مؤلفو المقال، والتي نعتمدها نحن أيضا، هي بأنّ رغبة الشخص الموجود على السطح في الانتحار ليست الدافع الوحيد الذي يحفّزه. فلو كان الأمر كذلّك، لنفّذ عملية الانتحار بتكتّم ونجاعة دون التواصل مع أيّ شخص كان. إنّ مجرّد الكشف علنًا عن نية الانتحار يعتبر بمثابة طلب للمساعدة ويشير إلى وجود دوافع أخرى في داخله. إنّ هذه الدوافع في طبيعتها مضادة للأفكار الانتحاريّة. ليس هناك شك  لدى المؤلّفيّن حول أهمية التطرّق إلى هذه الدوافع، ولكن قبل ذلك يجب التشديد على الألم واليأس الذي يشعر بهما الشخص المقبل على الانتحار.

إنّ إدّعائهما بصدد إطلاق الصوت المنادي بالانتحار يعني تعاطفًا مع موقف الشخص المقبل على الانتحار. ولكن

الجمل العديدة المتعلّقة بالمعاناة واليأس، والموجودة ضمن النص، وخاصة عبارات التعاطف العديدة، قد تفهم من قبل الشخص المقبل على الانتحار كمصادقة على قيامه بنتفيذ ذلك وليس كتفّهم لحالته.  وإن حصل ذلك، فسنؤديّ إلى موته، بدلا من إنقاذه. إن كانت رؤية الشخص المقبل على الانتحار Tunnel Vision ( رؤية ضيقة)، فقد يضمّ رسائل المنقذ إلى الأفكار التي تتردّد في ذهنه ويقفز نحو الموت.  لهذا نقترح الحديث طوال الوقت، منذ البداية وبوضوح تام، عن أفكار ومشاعر الشخص المقبل على الانتحار، مع إدخال رسائل أخرى تبرز وجود صوتًا آخرا في داخله. كما ويجب على المنقذ إدخال رسائل واضحة إلى النص تشير إلى أنّه يتفّهم الشخص المقبل على الانتحار لكنه لا يوافقه الرأي.

 

على سبيل المثال، نقرأ في صفحة 14 ما يلي: " رون، أظّن بانّي أعلم أين تتواجد، داخل أية بئر، كما وأعلم بأنّك تشعر باليأس المطلق، وبانّك موجود في قاع الحياة. لم تصل إلى هناك لأنّك تريد الخروج في نزهة. أوّد التشديد على أنّي اؤمن بأنّك إن استطعت إيجاد حلا آخرا لمشكلتك، لما رغبت في الموت. لهذا، فأّن هدفك جدير بالاحترام. أحترم اختيارك لأنّي أعتقد بانّك لو استطعت، لتصرّفت بشكل آخر".

بدلا من النص أعلاه، نقترح ما يلي: " أنّك يا رون تشعر باليأس، ويصعب عليك تحمّل ذلك، إنّك تشعر بأنّ الآخرين، وأنا من ضمنهم، غير قادرين على فهم مدى يأسك. قد تكون محقّا، رغم أنّي أبذل قصارى جهدي كي أتفهمك. قد يتوصل أيّ شخص آخر في مثل حالتك لاستنتاجات مماثلة.  ولكن قد يمنعك يأسك الشديد هذا من رؤية جميع الإمكانيات...".

إنّ هذه الاستنتاجات العمليّة تنبع عن موقف أوسع قادر على تمييز التباين القائم بين المنقذ والشخص المقبل على الانتحار، كما وإنّه يهدف إلى تقبّل هذا التباين ولا يحاول التجسير بينهما. إضافة إلى ذلك، فإنّ الشخص المقبل على الانتحار ليس بحاجة لمن يتعاطف معه ويشعر مثله، إنّه ليس بحاجة لشخص محبط يقف إلى جانبه.  إنّه بحاجة لشخص يقف أمامه ، إنّه بحاجة لشخص ذو شخصية منفصله وذو حالة نفسيّة مختلفة يحمل إليه رسالة ما. تتألّف هذه الرسالة من جزئين. الأوّل: تفّهم ( وليس تعاطف) وضع الشخص المقبل على الانتحار. والثاني: إطلاق الصوت الآخر الكامن في داخله نحو الخارج ( الصوت المنقذ من الموت).

حين يقوم المنقذ بتقديم ذاته وفق هذه المبادئ، فإّنه سيكون واقعيّا وحقيقيّا، لن يضطر للبحث في داخله عن التعاطف ( غير القائم) مع وضعية الشخص المقبل على الانتحار. سوف يستطيع الشخص المقبل على الانتحار تفّهم وتقبّل هذا الموقف. إنّ تواجده فوق السطح يعني أنّه بانتظار شخصا ما لينقذه، لهذا فإنّه سيكون أكثر انفتاحًا تجاهه.

المقطع الموجود في صفحة 15 ينصّ عمّ يلي: " أودّ أن أخبرك بأنّه خلال إعرابي عن الأسباب التي قد تؤدّي بك إلى الانتحار، أيّ الألم الفظيع الذي يعتريك، أشعر بأنّ بعض مشاعر اليأس، الاكتئاب والعجز التي تنتابك  نجحت أيضا ما حتى في الوصول إليّ بطريقة ما".

لم يشعر مؤلّفا النص بالراحة مع هذا المقطع، ولماذا؟ لأنّهما يشعران بانّ الشخص المقبل على الانتحار لن يصدّق تعاطفهما معه.  إنّ استخدام  الكلمات الثلات- 1) بطريقة ما 2) أيضا 3) نجحت في جملة قصيرة واحدة تشير إلى ذلك.

محنة الشخص المقبل على الانتحار ومحنة المنقذ

في الوضعية المتداولة، يواجه شخصان محنة ما، الأوّل هو الشخص المقبل على الانتحار، والثاني هو المنقذ. ولكنهما يواجهان محن مختلفة ومن المهم التمييز بينهما.  الشخص المقبل على الانتحار يريد الموت بسبب ظروف صعبة مرّ بها في حياته. بينما يواجه المنقذ محنة لأنّه خرج عن مسار حياته الاعتياديّ وها هو يواجه حالة إنسانيّة ومهنيّة صعبة ومعقّدة، وعليه إن ينفّذ علتًا العمل الذي يمارسه عامة بتكتّم وسريّة، إنّه غير مستعد بالقدر الكافي على فهم شخصية الشخص المقبل على الانتحار والوضعية التي وجد فيها، الفترة الزمنية المعطاة له قد تكون قصيرة جدا، وقد يكون فشله مميتًا.

إنّ محنة المنقذ تظهر لمرّة واحدة فقط في نصّ إليتزور وعومير. حين يكتبان : " في هذه اللحظة أشعر بالفزع مما تنوي فعله". إنّها جملة حقيقيّة لإنّها تتحدث عاطفيّا عن محنة المنقذ، ولا تتناول فكريّا محنة الشخص المقبل على الانتحار. إن استطاع المنقذ أن يكثر من استخدام محنته النابعة مباشرة عن محنة الشخص المقبل على الانتحار، سيحظى بمصداقية أكبر، لأنّه يعبر عن حقيقته الداخليّة ولأنّه يتحدّث بإسم العديدين، الذين سيعتبرون موت الشخص المقبل على الانتحار كارثة.  

أنّ محنة المنقذ المتوقّعة تلزم بإعداده مسبقًا وتزويده بالآليات المناسبة ليتمكّن من تأدية عمله. من المهمّ التشديد على الفرق بين الإعداد والحماية. الإعداد يعني بأنّ المنقذ ملزم ببذل قصارى جهده ليكون مزودا في اللحظة الحاسمة بأفضل الآليات التي تمكّنه من التعامل مع الحالة. الدفاع يعني مقدرته على الدفاع عن نفسه إن فشل في محاولة الإنقاذ. الحماية الذاتيّة تعني تبرير الذات أمام نفسه وأمام الآخرين.

ليتمكّن المنقذ من الدفاع عن نفسه في وقت لاحق، عليه أن يعلم مسبقًا بأنّه لا يستطيع إحراز النجاح في جميع الحالات. المطلوب منه هو فعل ما بوسعه، وليس تحقيق النجاح في كلّ حالة. إن تذويت هذا الموقف يعود عليه بالفائدة قبل بدء عملية الإنقاذ لأنه يبعث الراحة في نفسه ويمكّنه من استخدام مهاراته بشكل أفضل. كما وأنّ استبدال موقف التعاطف مع الشخص المقبل على الانتحار بموقف تفهّم حالته يهدئ من روع المنقذ إذ يطلب منه اتّخاذ موقفًا معقولا- محاولة تفهّم الآخر- وهذا ما نفعله في حياتنا اليوميّة، بينما لا يطلب منه فعل المستحيل- التعاطف مع حالة متطرّفة مثل الرغبة في الانتحار.

بالنسبة لإعداد المنقذ، يطرح السؤال التالي: ما هي المعدّات الشخصيّة التي يتزوّد بها المنقذ حين يتقدّم نحو الشخص المقبل على الانتحار؟ الإجابة هي أنّ هذه المعدّات تتضمّن كل ما تعلّمه طول حياته، وكل ما يؤمن به. قد تكون هذه المعدّات في بعض الأحيان الإيمان القوي في قدسية الحياة اوّ إيجابيتها، وقد تكون في أحيان أخرى قناعة داخليّة عميقة بشأن حاجة الإنسان لتحديد اختياراته طوال حياته  ومقدرته على الاختيار بالشكل الصحيح. وقد تكون ثقة المنقذ في مقدرته على التأثير على الآخرين، أوّ مقدرته على استيعابهم والتواصل معهم. إنّ كل واحدة من هذه المعتقدات الداخلية، أوّ تركيباتها المحتملة، ستمكنّنا من بناء نصًا مختلفًا. ولمثل هذا النص فقط القدرة على إقناع الشخص المقبل على الانتحار بالعدول عن قراره.

لهذا، إضافة إلى الحاجة لوجود نصّا متكاملا، هناك حاجة أكثر إلحاحًا، ألا وهي أن نقول للمنقذ: " إستخدم مصادرك الداخليّة.  كما ونقدّم لك بعض الاقتراحات، إن كانت تناسبك، فاعتمدها، إن كانت توحي لك بفكرة ما- يجوز لك تطويرها كما تريد، وإن لم تخاطبك- فلا تستخدمها."

إنّ أقتراحًا من هذا النوع يوحي بفكرة تجسيد الموت الذي يغري الضعفاء، كما يظهر في مقال اليتزور وعومر.

هناك فكرة أخرى، والنابعة عن الحالة ذاتها، ألا وهو اعتبار الصعود إلى السطح ( خطوة الاستدعاء) أهم عمل قام به الشخص المقبل على الانتحار. يؤكّد المنقذ أمام الشخص المقبل على الانتحار بانّه نجح في التعبير عن محنته وإعلام أصحاب الشان بذلك.  يعبرّ هذا النص عن تفّهم وتقدير الخطوة التي اتّخذها الشخص المقبل على الانتحار، دون ان يضطر المنقذ بالتعاطف معه بشكل مصطنع. إنّ التشديد على عملية الاستدعاء توصل إلى الشخص المقبل على الانتحار الرسالة القائلة بأنّ العمل قد تمّ، ولا حاجة للمضي قدمًا، أيّ لا حاجة للقفز. 

 ما يلي نموذج لنص يستخدم هذه الفكرة: " إنّك تقف هناك على السطح وتشعر بالوحدة واليأس. لقد صعدت إلى السطح لأنّك لم تر أمامك مخرجًا آخرًا. حين حاولت عرض محنتك بطرق أخرى شعرت بأنّ أحدًا لم يصغ إليك. وحين ازدادت محنتك لدرجة لا تطاق، شعرت بانّك لن تستطيع الاحتمال أكثر من ذلك وصعدت إلى السطح. والآن، وبينما تقف هناك، جميع الأشخاص المحيطين بك، وأنا من ضمنهم، يدركون مدى معاناتك. لقد فهمنا الآن بأنّنا لا نستطيع تجاهلك. ربما كان علينا الإصغاء إليك قبلئذ، ولكن عندما لم يتم ذلك قررّت القيام بعمل لا يتيح لنا الاستمرار في تجاهلك. وبهذا حقّقت هدفك، ها نحن جميعا ندرك الآن مدى معاناتك، ومدى تجاهلنا للمحن التي تواجهها."

هناك فكرة أخرى والتي بالطبع لا تلائم جميع الأشخاص المقبلين على الانتحار، لكنها قد تلائم البعض، والذين يميلون بوضوح إلى " الافتضاحيّة" أوّ " الإظهاريّة". وتقتصر الفكرة على استخدام العوامل الدراميّة للحدث واستخدام مهارات الإخراج لدى المنقذ لمنع الشخص المقبل على الانتحار من تحقيق هدفه.   المنقذون العاملون مع المجموعات العلاجيّة والذين بتبنون البسيخودراما  وأساليب توضيح وعرض أخرى خلال عملهم يستطيعون استخدام هذه المهارات.

في مثل هذه الحالة، يمكننا القول: " العديد من الأشخاص يقفون هنا وينظرون إليك، جميعهم يشعرون بالفزع والخوف ممّا تنوي فعله. إنّهم يتضّرعون إلى الله لتعدل عن قرارك. إنّك تقف الآن في المركز، إنّك بطل المسرحية والقرار بشان النهاية السعيدة يعود إليك. إن قررت الآن النزول عن السطح، فإنّ العديدين سيهتفون لك."

منقذون آخرون، ذوي خبرة في معالجة المصابين بصدمات الحرب وفق التوجّه التنظيميّ المعتمد في جيش الدفاع الإسرائيليّ، يستخدمون هذه الخبرات. ويمكن استخدام هذه الأساليب فقط في الحالات التي يبدي فيها الأشخاص المقبلون على الانتحار استعدادهم للتجاوب مع هذا التوجّه. إنّه توجّه سلطويّ يشدّد على الارتباك وفقدان الاتجاه لدى الشخص المقبل على الانتحار، ويعمل على تنظيم أموره. إنّ مثل هذا المنقذ نراه في شخصية كلينيت إيستوود في فيلم " هاري القذر"، إذ يضيف إلى هذا التوجّه عنصر التحدي والاستفزاز تجاه الشخص المقبل على الانتحار، والذي لا يجرؤ منقذون آخرون على استخدامه.

مبادئ أساسيّة لبناء النص

تنبع عن التوجّه العام بعض المبادئ لبناء نصّ محدّد للشخص المحدّد المقبل على الانتحار:

1) الحصول على أكبر قدر من المعلومات:  الإلمام بالحقائق الأساسيّة التي يمكن الحصول عليها بسرعة من المستدعين قد يساعد المنقذ على بناء نصّه ( إن أراد شخصًا ما الانتحار بسبب فشل علاقة غراميّة لا حاجة للتحدّث إليه عن فشل في دورة للضباط). من ناحية أخرى، من الواضح أنّ إضاعة الوقت قد تكون حاسمة. لهذا يجب تقليص هذا المقطع بقدر الإمكان. ولكن في بعض الإحيان هناك وقت محدّد يمكن استغلاله (على سبيل المثال، خلال السير من من موقف السيارات باتجاه موقع الحادث). بالإمكان طرح هذه الأسئلة: 1) ما اسم الشخص المقبل على الانتحار. 2) لم يريد الانتحار. 3) هل هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك . 4) الكلام الذي قاله خلال الوضعية الحاليّة. 5) أشخاص آخرون الذين يمكن استدعائهم ( أقرباء، صديق/ة) للمساعدة في عملية الإنقاذ.

إمكانية أخرى: التنسيق مع الشخص المستدعي ( مسئول، ضابط، صديق مقرّب) بأنّ يبقى على مقربة من المنقذ وإعطاء الإجابات على الأسئلة التي يوجّهها المنقذ إلى الشخص المقبل على الانتحار. وبهذا يستطيع المنقذ إطالة الوقت الذي يتم خلاله الحصول على المعلومات حول الشخص المقبل على الانتحار.

2) النمطية: لا يعتبر المؤلّفان نصّهما على أنّه توراة موسى، لكنّها يقدّمان نصّا متتاليا. من المهم أن يعلم المنقذ بوجود متتاليات عديدة والتي تتغيّر وفق المعلومات الأساسيّة، ردود فعل الشخص المقبل على الانتحار وكلّ ما يحدث على مسرح الحدث.

3) Pacing and Leading: إنّ فكرة المؤّلفان والتي تقتصر على البدء بالتعاطف والانتقال للمواجهة تختلف عن فكرة التعقب والقيادة المعتمدة في العلاج بالتنويم المغناطيسيّ. إّنّ إحدى فوائد هذه الفكرة هي الانتقال الذكيّ وغير الملحوظ بين التعقّب والقيادة.  ويستطيع المنقذ استخدام هذه الفكره في مثل هذه الحالة. إنّ الانتقال من تفهّم الشخص المقبل على الانتحار إلى منعه عن تحقيق هدفه يجب أن يكون سلسًا ومتتاليّا. ويتم ذلك من خلال استخدام المنقذ لرموز مستقاة من التعابير الكلاميّة وغير الكلاميّة للشخص المقبل على الانتحار، لتغيير النص خلال مراحل إنشاءه.

على سبيل المثال:  يقول المنقذ: " وإن كنت غاضبًا على أحد أقربائك، لا ريب بأنّ هناك شخصُا بينهم لا تريد إيذائه." حين يتم الإنكار أوّ الإشارة إلى عدم الرضا، من المفضّل عدم الاستمرار في هذه الاتجاه. ولكن إن أمال رأسه وأصغى، فمن الجدير الحديث عن الموضوع. وهنا يمكننا تقديم اقتراحًا تم ذكره في سياق جمع المعلومات. المنقّذ: " من الأعزّ على قلبك من بين جميع أقربائك؟" ( الشخص المقبل على الانتحار لا يجيب). فيجيب المستدعي بدلا منها: " هو يحب شقيقته الصغيرة ياعيل". بالإمكان استخدام هذه المعلومة لمواصلة الحديث في هذا الاتجاه.

4) طول الرسائل ومدى تعقيدها.  إنّ النصوص التي يصيغها كلّ من عومر وإليتزور طويلة جدّا وتتضمّن رسائل معقّدة ومحنّكة. يطرح السؤال حول الهدف من وراء طريقة الصياغة هذه؟ يبدو أن هذه الرسائل جيّدة لإشغال ذهن الشخص المقبل على الانتحار وإبعاده عن التفكير في عملية الانتحار ( والمشابهة لتقنية الإرباك لدى ميلتون أريكسون). ولكن من ناحية أخرى، قد يتوقّف الشخص المقبّل على الانتحار فجأة عن الإصغاء لهذه الرسائل. إنّ الرسائل التي نريد إيصالها للشخص المقبل على الانتحار يجب أن تصاغ: 1) بلغة أبسط  2) بمستوى أقلّ تعقيدًا 3) بطريقة تخاطب القلب وليس العقل 4) باختصار.

5) التنوّع مقابل التكرار: إنّ نص إليتزور وعومر يشيد بالتنوّع. إنّه يحيط الشخص المقبل على الانتحار بالعديد من الادّعاءات والتي يصعب على قارئ المقال تعقّبها. وقد يعتبرها الشخص المنطوي على نفسه وضيّق الرؤية، مثل الشخص المقبل على الانتحار،  كمصدر إزعاج ولن يصغي إليها إطلاقًا. أمّا إن تم تمرير القليل من الرسائل البسيطة، المتكرّرة بأشكال مختلفة وبلغة سهلة ووجدانيّة، فيمكن أن نحظى باهتمام وإصغاء الشخص المقبل على الانتحار.

إنّ الإدّعاء الداعم للتنوّع يشير إلى أنّه لا يمكن أن نعلم مسبقًا ما الذي قد يلفت انتباه الشخص المقبل على الانتحار ويجعله يصغي إلينا لاحقًا، لهذا يجب طرح عدّة إدعاءات. إنّ هذا الإدّعاء قد ينطبق على بداية الحدث لهذا يجدر بنا طرح عدّة إمكانيات، ولكن حين نحظى بانتباه الشخص المعرّض للانتحار، ينبغي أن نرتكز على الإمكانيات ذات الصلة.

6) حوار وهميّ: في النصّ الذي يقدّمه أليتزور وعومر لا يوجد تقريبًا أيّ سؤال، ويفترض بأنّ الشخص المقبل على الانتحار لن يجيب على الأسئلة. هذا ليس صحيحًا دائمًا. ولكن حتى إن اعتمدنا هذه الفرضيّة الحازمة، يجدر بنا طرح أسئلة حقيقيّة واستنكاريّة والإجابة عليها. وذلك لعكس الصراع الحاصل في قلب ( ذهن) الشخص المقبل على الانتحار. ( أنت تسأل نفسك هل بإمكاننا أن نبتسم في مثل هذه الحالة؟)، ولتقديم إجابات مختلفة بدلا منه ( من ناحية تشعر بأنّ جميع الأمور تفقد معناها، وبأنّها النهاية، ومن ناحية أخرى تراودك الشكوك). حين يطرح المنقذ الأسئلة، فأنّه يستطيع تعقّب الشخص المقبل على الانتحار، فحص الأمور التي تخاطب قلبه ومواصلة الارتكاز عليها. 

7)  الحديث حول التفاعل :( القائم اوّ غير القائم) بين المنقذ والشخص المقبل على الانتحار قد يجعل النص شخصيّا. ما يلي مثالين لذلك:

 

أ. المنقذ: " لقد أخبرتك ببعض الأمور وأنا واثق بانّك سمعتها. ويخيّل لي أيضا أنّك أصغيت  إليها. يصعب عليك الآن الرد والتحدّث إليّ. قد تكون غارقّا في التفكير في نفسك وفي يأسك. ورغم هذا لن أستسلم، سأبقى هنا إلى جانبك وسأنتظر بصبر حتى تستطيع التحدّث إليّ. "

ب. المنقذ: " حين تحدّثت إليك عن شقيقتك الصغيرة ياعيل التزمت الصمت، ولكنيّ لاحظت أنّك أملت رأسك نحوي. وفهمت من ذلك أنّه رغم رؤيتك السوداوية والكئيبة للعالم، فإنّك لا تريد إيذاء شقيقتك الصغيرة. ورغم الظروف الصعبة التي تمرّ بها، فإنّ شيئًا ما في داخلك لا يزال يحبّها ويفكّر فيها. هذا الشيء، والذي يبدو الآن صغيرّا وهامشيّا، قد يصبح هامّا ومركزيّا في وقت لاحق".

8) الإرهاق: من المعروف أن الحالات النفسيّة الصعبة هي مؤقّتة. لن يتواجد أيّ شخص فوق السطح لمدّة 24 ساعة. بعد مرور وقت طويل على هذه الازمة النفسيّة الصعبة، يحدث الإرهاق. ويطرح السؤال: هل يجب التخطيط لإطالة زمن التواجد فوق السطح كي نؤدّي في نهاية المطاف بالشخص المقبل على الانتحار بالنزول عن السطح بدلا من أن يرمي نفسه؟  لا نعلم إن كانت هناك إجابة موّحدة على هذا السؤال، ولهذا من المهمّ الكشف عن المؤشّرات التي توحي لذلك في بعض الحالات.  إن وجدت هذه المؤشّرات بحوزة المنقذ مسبقًا ( على سبيل المثال، إن علم بأنّ الشخص المقبل على الانتحار صعد إلى السطح في وقت سابق وبحث عن طريق للنزول منه، إوّ إن استطاع الحصول على هذه المؤشّرات خلال عملية الإنقاذ)، فعليه أن يأخذ بالحسبان عنصر الإرهاق والعمل بموجبه لإطالة زمن التواجد فوق السطح لزيادة فرص نجاحه.

9) المواجهة. إنّ كلمة " مواجهة" التي يستخدمها المؤلّفان ليست متعلّقة بموضوعنا هذا لانّنا لا نقوم إطلاقًا بمواجهة الشخص المقبل على الانتحار، نحن نرى الآن ما رأى هو طوال حياته- أنّه يرغب في الحياة ويرى بأنّ لحياته معنى- ولكنه لا يرى ذلك الآن، ونحن نعرب عن رغبته هذه.

 

10) تقديم وعود فعليّة: نحن نعتقد بانّ تقديم الوعود بالمعالجة الفعليّة لمشاكل الشخص المقبل على الانتحار لا تجدي نفعًا. إن شعر الشخص المقبل على الانتحار بمحنة وجوديّة، فإنّ هذه الوعود تعرب عن استخفاف بعمق محنته وتشكّل دعمًا فعليّا بيروقراطيّا لا غير. إما إن كان وقوفه فوق السطح بهدف الحصول على مثل هذه الامتيازات، فإنّ كا ما سيعنيه بعد نزوله هو تحقيق هذه الوعود، سيحاول إن يدخل إليها مضامين إضافية، وقد يتم عرض المنقذ كشخص كاذب ومحتال. لهذه من المفضّل عدم الدخول إلى حقل الألغام هذا.   

11) تجنّب الشرّ وافعل خيرًا: إنّ المبدأ القائل: أولاّ لا تؤذ، ومن ثم حاول المساعدة إن استطعت، ينطبق على هذه الحالة أيضا. يجب الإمتناع عن توجيه الاتّهامات إلى الشخص المقبل على الانتحار، كما يظهر في الجملة القائلة " ستصبح جلاد أعزّائك الباقين خلفك." يجب الامتناع عن التعالي والغطرسة كذكر أسماء لا يعرفها أغلب الناس ( بوبر، فيتغنشتاين)، وعدم استخدام جمل مماثلة ل " حتى في الدول الدكتاتوريّة، ومحاكم التفتيش" والتي قد يجهل الشخص المتواجد فوق السطح معناها. لا يجب أنّ نوجّه له اتّهامات حول نيته بالانتقام، إلا إن علمنا مسبقا بصحة ذلك. ولا ينبغي أيضا أن نتحدث إليه حول وسائل الراحة المتوفّرة، علينا فقط منعه من الانتحار.

المقطع الختاميّ:  بقيت نهاية نص إليتزور وعومر معلّقة في الهواء. حين يشعر المنقذ بانّه نجح في مخاطبة قلب الشخص المقبل على الانتحار يجدر به ترجمة ذلك إلى مصطلحات عمليّة ومساعدته على النزول من السطح. وبهذا يستطيع أن يخاطبه قائلا: " الآن، وبعد أن أوصلت إلينا رسالتك وأدركنا عمق محنتك، دعنا نغيّر تعاملنا تجاهك. سأقترب منك الآن وأساعدك على النزول من السطح." يجب القيام بذلك بحذر شديد والتراجع عن ذلك في حال شكلّت هذه المحاولة خطرًا على الشخص المقبل على الانتحار. من ناحية أخرى، إن كان الشخص المقبل على الانتحار ثائرًا ومرتبكًا، من المفضّل تواجد منقّّذ يقدّم له اقتراحًا عمليّا لوضع حدّ للحالة التي أوصل نفسه إليها.

 

 

 

 

 
*
 

 
Talkbacks
  reply